يعكس الاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات الدبلوماسية تواصلًا حضاريًا عريقًا يربط ضفاف النيل العظيم بنهر اليانجتسي الخالد، لتكون دولتنا أول مساهم عربي وأفريقي يبني روابط رسمية مع جمهورية الصين الشعبية العريقة، ونستقبل اليوم ضيفنا العزيز الرئيس شي جين بينج في بلده الثاني، لنواصل معًا مسيرة أمتين قدمتا إسهامات واضحة لإثراء المعرفة البشرية ونشر السلام العالمي، وتعزيز التعاون الدولي في شتى المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية، لتصبح هذه الذكرى شاهدًا حيًا على عمق الروابط الإنسانية والتاريخية المشتركة، التي تدفعنا نحو بناء مستقبل مشرق يحقق تطلعات شعوبنا في التقدم والازدهار والرخاء المستدام، عبر تبادل الخبرات والمعارف وتوثيق عرى الصداقة الممتدة عبر الأجيال المتعاقبة.
ويعبر مسار الحرير التاريخي المتلاقي مع مياه البحر الأحمر وقناة السويس عن شريان حيوي يسهم في انتقال الأفراد والأفكار والمنتجات، ليكون هذا المسار دافعًا قويًا نحو البناء المستمر على إرثنا التراكمي في مجالات الطب والهندسة والعلوم المتنوعة، لنضمن مشاركة عادلة وفعالة في استخدام التكنولوجيا الحديثة لتوفير بيئة تعليمية جاذبة للمتعلم وتصويب أنماط الفهم الخطأ، بما يحقق تنمية شاملة تلبي احتياجات شعوبنا وتدفع عجلة التطور الإنساني نحو مجالات أوسع من التميز والابتكار المشترك، وتسهيل تبادل المنافع الاقتصادية والثقافية التي تزيد من تقارب الأمم وتعزز من قدراتها على مواجهة التحديات المعاصرة، بصورة جماعية تضمن مستقبلًا مزدهرًا ومستقرًا للأجيال القادمة في كلا البلدين.
وتقف المواقف المشتركة دليلًا ساطعًا على تضامن صادق يجمع بلدينا، فكما نؤيد مبدأ الصين الواحدة وندعم استعادتها لمكانتها الأممية انطلاقًا من احترام خيارات الشعوب المستقلة، فإننا نقدر عاليًا الدعم الصيني الملموس للحقوق العربية المشروعة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، لتظل هذه المواقف الناصعة علامات هادية في ذاكرتنا المشتركة وداعمًا أساسيًا للمنتديات العربية والأفريقية مع أصدقائنا الصينيين، لتعزيز التعاون الدبلوماسي المشترك في شتى المحافل الدولية والإقليمية، وتنسيق الرؤى السياسية بما يخدم قضايا السلام العادل والشامل، ويضمن استقرار المجتمعات النامية وتوفير مقومات الحياة الكريمة لكل إنسان يسعى لتحقيق طموحاته المشروعة، في بيئة آمنة ومستقرة ومزدهرة ودائمة التطور والنماء.
وقد أسهمت بقوة مسيرة الشراكة الاستراتيجية الشاملة المطلقة خلال عام ألفين وأربعة عشر في دفع عجلة التعاون الثنائي، لتصبح الاستثمارات الصينية عاملًا محوريًا في عمليات البناء المستمرة خاصة ضمن النطاق الاقتصادي لقناة السويس والمشروعات القومية العملاقة، مثل حي المال والأعمال ومشروع القطار الكهربائي، مما يعزز جهودنا الدؤوبة لتحويل دولتنا إلى مركز لوجستي عالمي مستفيدين من موقعنا الجغرافي الفريد الذي يربط بين قارات العالم، ويسهل حركة التجارة الدولية لتشجيع المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوفير فرص عمل جديدة لشبابنا الواعد ورفع كفاءة البنية التحتية والمرافق العامة، وتطوير منظومة النقل الذكي بطريقة تدعم نمو الاقتصاد الوطني وتحسن من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين جميعًا.
وتتناغم التوجهات المصرية الاستراتيجية لتوطين الصناعات المختلفة مع الرؤية الصينية للتنمية المتقدمة يمهد طريقًا واسعًا لجذب استثمارات نوعية، في قطاعات إنتاج السيارات الكهربائية ومصادر الطاقة المتجددة وأنظمة الذكاء الاصطناعي، سعيًا لنقل تقنيات التكنولوجيا المعاصرة، وتأسيس قاعدة صناعية قوية تواكب متغيرات العصر الحديث، وتراعي تطبيق معايير العلوم للجيل القادم وممارسات التصميم الهندسي المبتكرة في بيئات العمل، لتلبية تطلعات النمو المستقبلي ودعم خطط الإصلاح الشامل التي نتبناها لتطوير الكوادر الفنية الماهرة، وتشجيع البحث العلمي المشترك لابتكار حلول عملية تسهم في تحقيق نهضة اقتصادية مستدامة، ترفع من تنافسية منتجاتنا في الأسواق العالمية، وتضمن رفاهية مجتمعاتنا عبر الاعتماد على المعرفة وتطبيقاتها العلمية المتطورة.
ويقدم النموذج التنموي الصيني تطبيقًا عمليًا وملهمًا للدول النامية خلال مساعيها المتواصلة نحو التحديث ومحاربة الفقر، ويدفعنا هذا الإنجاز للعمل المشترك المتواصل لتعزيز صوت دول الجنوب داخل أروقة المؤسسات الدولية، ونعبر عن سعادتنا الكبيرة بالانضمام إلى تجمع البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، كما نهنئ الأصدقاء في الصين بمناسبة تولي رئاسة البريكس خلال العام القادم، لتعميق التنسيق المتبادل والمساهمة في بناء نظام دولي يتسم بالعدالة والإنصاف ويراعي مصالح كافة الدول دون تفرقة، لتخطي التحديات الاقتصادية الراهنة، وتوفير مظلة حماية اجتماعية تضمن حياة كريمة للشعوب المتطلعة إلى غد أفضل، يستند إلى مبادئ التكافل والمساواة في الفرص التنموية المتاحة للجميع.
وتبني سياسات الاتزان الدبلوماسي يعتبر حاجة ماسة لمواجهة تصاعد تيارات الاستقطاب على المستوى العالمي، وهو ما يتطلب توحيد مساعينا المشتركة لتهدئة الصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط ومنع انتشارها الميداني، بالاعتماد على قواعد التسوية السلمية الشاملة والالتزام باحترام سيادة الدول المستقلة، لتجنب انزلاق المنطقة نحو نزاعات مسلحة خطيرة تضر بالسلم والأمن الدوليين، وتعيق مسارات التنمية المستدامة التي تنشدها شعوبنا لتعيش في أمان واستقرار، يسمح ببناء مجتمعات مزدهرة وقادرة على تجاوز المحن التاريخية عبر حوار متواصل يغلب المصلحة العامة، ويفتح أبواب الأمل أمام الأجيال الناشئة، لبناء غد خال من الحروب والدمار يعتمد كليًا على التعاون الإيجابي والمثمر بين كافة الأطراف الفاعلة.
ومياه النيل تعد المصدر الأوحد والأساس الوجودي لضمان بقاء الشعب المصري منذ آلاف السنين، ولذلك نتمسك بالتعاون المشترك العابر للحدود التزامًا بقواعد القانون الدولي التي توجب الإخطار المسبق والوصول إلى توافق شامل، بعيدًا عن أي تحركات أحادية تضر بمصالح الآخرين، ونعرب عن تقديرنا البالغ للموقف الصيني المتفهم لطبيعة هذا المورد المائي الحيوي لدولتنا، والمساند لجهود تعزيز التعاون المبني على حسن النية لتوفير المنفعة المتبادلة وتجنب إلحاق الأذى بأي طرف، لضمان استدامة التنمية في دول الحوض وتحقيق رخاء مشترك يدعم الاستقرار الإقليمي، ويحمي حقوق الأجيال المتعاقبة في الاستفادة من مواردها الطبيعية بإنصاف وعدل وسلام دائم يعزز من مقومات الحياة الكريمة للجميع.
وتطلعاتنا المستقبلية الصادقة تدفعنا نحو صياغة مرحلة جديدة من الصداقة التاريخية الوثيقة، لنستلهم من تجاربنا الماضية طاقة إيجابية تعزز من الروابط المشتركة وتزيد من متانة التعاون البناء بين بلدينا، سعيًا لتحقيق المزيد من الرفاهية والتقدم الاقتصادي الذي يعود بالنفع على شعبينا ويخدم الإنسانية بأكملها، لتبقى هذه الشراكة نموذجًا يحتذى به في العلاقات الدولية المعاصرة، ونبراسًا يضيء درب التنمية المستدامة للأجيال القادمة، لتستمر مسيرتنا بخطى ثابتة وعزيمة صادقة نحو بناء عالم أكثر تسامحًا وتعاونًا يضمن استقرار المجتمعات، ويرتقي بمستوى معيشة الأفراد بطريقة تليق بتاريخنا الحضاري المجيد، وتسهم في ترسيخ قيم التفاهم والسلام والتكامل المتبادل بين جميع دول العالم بصورة قوية ومستدامة.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر